حجم مشكلة البطالة فى مصر وخصائصها الفريدة


حجم مشكلة البطالة فى مصر وخصائصها الفريدة
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ 
                بادئ ذو بدء وان اردنا ان نتحدث عن مشكلة البطالة فى مصر ، فاننا نحذر من الاعتماد على الارقام والجداول والاحصائيات ؛ الا من حيث كونها مؤشر وسط مؤشرات عديدة ، وسيفهمنى جيدا من يعانى من البطالة فقد انتهت الدنيا عنده فى حين يرى السياسى انه مجرد رقم كمى ،  وكثيرا ما يلجأ البعض الى البيانات الاحصائية لتوضيح رأى أو اثبات امر من الامور اثباتا لحقيقة معينة ، يراد ابرازها او اثباتها ، عن طريق التعامل الشكلى مع الارقام ، واستخراج بعض النتائج التى يراد اقناع الاخرين بها ، وكثير من اساتذة الاحصاء ينبه الى ضرورة التعامل مع البيانات الاحصائية بحذر شديد ، لما قد يتسبب عن التطبيق الجزافى لمنظومة الاحصاء من مشاكل فى الاستنتاج ، قد تبعدنا عن معرفة الحقيقة سواء كان ذلك بحسن نية او بغير ذلك ، فالاستنتاج الاحصائى وهو تقدير قيمة وظيفية (كيفية) يعتمد على ادخال القيم الضرورية الاخرى المؤثرة .
وذلك اذا اردنا ان نبرهن عن عدم جدواه فقد تحدث اينشنتين - مكتشف النظرية النسبية - عن ان الارقام نسبية ولا يوجد رقم مطلق دائما ، فالرقم نسبى بمعنى ان الارقام لابد ان تنسب لشئ ، فمثلا لو قلنا ان السيارة تسير بسرعة 50 كيلو متر فمعنى ذلك ان سرعة السيارة بالنسبة لسرعة الكرة الارضية حول نفسها وحول الشمس هى 50 كيلو متر ، ومن هذه النظرية نستنتج ان الرقم لا يمثل شئ الا اذا نسب الى شئ  ما كيفى .
 يقول القرآن الكريم "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " وفى سورة الانفال الاية 65 "يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مئة يغلبوا الف من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون "  صدق الله العظيم
20 =200
100=1000
هذه معادلة قرانية خاصة بالكيف الارقام ، ومعنى ذلك ان العدد القليل قد يكون ذو قيمة ، وهذا ما ترفضه الارقام المطلقة حيث ان العدد الكبير افضل ( مجرد اكبر ) من العدد القليل ، فقد تكون الكثيره كغثاء السيل لا قيمه لها .
مثال هام : تعداد السكان دولة ما هل هو مؤشر على قوتها ام ضعفها ؟ لابد ان يقترن هذا التعداد بتوضيح وتقييم لاوضاع التعليم والصحة والاسكان والدخل فى هذه البلد ومدى مساهمة الافراد فى الانتاج والدخل القومى للبلد ، ولتوضيح هذه النقطة على وجه الخصوص ، فنحن نقول تعداد سكان العالم سبعة مليار وسبعه من عشرة ، والمليار الف مليون اى 9 اصفار يمين الواحد ، هل كل نسمه او فرد من حيث كيفها اثرها وتأثيرها فى تنمية العالم متساوية كالاخرى ، ان البشر ليس اكمام متساوية .
ولذلك عندما نقول ان 5 % فقط من سكان العالم عرب ، فاننا نكون قد ظلمنا الثقافة العربية ؛ لان دورها الكيفى فى التاريخ والواقع الحاضر اكبر من ذلك بكثير فالحضارة العربية تواصلت مع الحضارة الاوربية الحديثة ، واحدثت اثر فى الحضارة المعاصرة ككلوتأثرت بها تأثرا كبيرا ، بعكس الحضارة الصينية مثلا التى لم تتواصل اصلا تاريخيا وحضاريا مع حضارة اوربا التى صاغت حضارة العالم المعاصر ، اى انه اذا كان الصينيون اكثر من 30% فى العالم فهم منعزلون عن السياق الحضارى التاريخى والمعاصر،  فان العرب الذى هم لم يتجاوزا 5% من سكان العالم اكثر منهم كيفيا فالكم خادع .
وعندما نقول ان المصريون هم ربع العرب عدديا فهذا لا يعنى انهم الاكثر تاثيرا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا بل نراهم هم عرضة لهجمات ثقافيه من دول عربية اخرى اقل عددا .
اننى فى هذه الدراسة اتعامل مع البشر، مع الفرد مع النسمة برؤية اقتصادية الى اى حد يمكن اعتباره مورد بشرى موظف جيدا للانتاج يصب فى الدخل القومى  ؟ ام عب استهلاكى على الاقتصاد ؟
فلو نظرنا الى الدراسات التقليدية نلاحظ ان هذه الاحصائات،  تبدوا وكانه هدف فى حد ذاته ، ويرجع ذلك الى عدم توافر خدمات المعلومات المناسبة ، حيث يصبح الحصول على هذه المعلومات صعبة ، وخصوصا عند وضع هذه المعلومات فى صورة بيانات رقمية فقط دون تحليل كيفى ، فيصعب توظيف هذه المعلومات.
ولتوضيح ذلك نسوق قصة اخيل والسلحفاة ،  فى بلاد اليونان القديمة ، على لسان زينون الايلى للرد على الفيثاغوريين فى اهمية الارقام ،  فتتلخص القصة فى ان اخيل وهو اسرع عداء فى اليونان القديمة ،  يجرى ليلحق بسلحفاة ولكنه لن يلحقها وسوف تسبقه السلحفاه ، لو استخدمنا الحسابات العقلية فلكى يصل اخيل للسلحفاة لابد ان يقطع نصف المسافة ، ولقطع نصف المسافة فينبغى قطع ربع المسافة ولقطع ربع المسافة ينبغى ان يقطع ثمن المسافة ..ألخ وهنا نجد انه كى يصل الى السلحفاة ينبغى ان يقطع ما لا نهاية منه من الارقام الكسرية من المسافة اى انه لن يتحرك بالمرة لانه سوف يسقط فى اللانهاية ، وسوف تسبقه السلحفاه .  اما فى العالم المحسوس فانه سوف يلحق وسيسبق السلحفاة ، ونستنتج مما سبق ان العالم المحسوس الذى نعيشه يختلف تماما عن عالم الارقام والحسابات الفعلية .  لذلك فالعصر القادم هو عصر الكيفيات وعصر العوامل والاسباب والحيثيات والمحسوبات وتراجع التعميمات التى تتنج من الارقام ، ويقول زكى نجيب محمود ، ان الدول النامية مازالت تعيش فى عصر الجاذبية والذى يعتمد على الارقام والقوانين والجداول الرقمية الثابته ،  والجدير بالذكر ان تنبؤات الماركسية والنظم الشيوعية ، سقطت لاعتمادها على استنباط الاحكام من تصور جامد عن الحقائق والذى يسمى بالحتمية العلمية  ، والذى ادى الى نمو كمى دون القدرة على التحول كيفيا بالمجتمع ، وكان الواجب استنباط الاحكام من حقائق تعتمد على رصد وملاحظة كل جوانب الواقع القائم المحسوس بل يتطرف رايت ميلز الى اكثر من ذلك للاعتماد على الخيال الاجتماعى فى دراسة الظاهرة والمشكلة الاجتماعية ،  مخالفا كل ميراث المناهج الوضعية والبنائية لعلم الاجتماع . ويتعاظم دور الكيفية فى القرن الواحد والعشرين وأصبحت العلوم الاجتماعية تقاس تأثيرها بالمؤشرات والبعد عن الارقام والجداول التى تقتل روح الابتكار .
وهنا ايضا نطرح تساؤلات  : هل العاطل كالعاطل من حيث الاثر الاجتماعى فهناك عاطل فقير معدم ينتظر الجوع له ولمن يعول وهناك عاطل غنى (ربما بالوراثةوتضامن الاهل معه ) ،  وهناك عاطل بذرة مجرم واحتياطى جريمة  ( حسب التنشئة الاجتماعية له ) وعاطل بذرة عالم او بذرة باحث ،  وعاطل بذرة رائد اعمال.

وهل العاطلون كالموظفون ، وهل الموظف الحكومى الذى يعمل فى قطاع خدمى كالموظف الحكومى الذى يعمل فى قطاع انتاجى ، او  كالموظف فى قطاع الاعمال ، وهل هو كالموظف فى القطاع الخاص ، وهل الموظف الذى ييسر الاعمال الادارية ، كالفلاح عصب الانتاج الزراعى ،  او كالعامل فى المصنع عصب الانتاج الصناعى ، كالعامل الحرفى المهارى الفنان ، كالعامل الفاعل الشيال ، وهل كل هؤلاء هل هم  كالفئات من محامى وطبيب ومهندس ، وهل كل هؤلاء كرجل الاعمال التقليدى المستثمر الكبير او الصغير ، وصاحب المشروع الكبير من شركة او مؤسسة تدر ربحا ، او صاحب المشروع الصغير من دكان وخلافه ، وهل صاحب المشروع كصاحب المشروعات ، وصاحب الشركة كصاحب المجموعه كصاحب المجموعات ، وهل كل هؤلاء  كرائد الاعمال الصغيرة او رائد الاعمال الكبيرة التى تحتاج لرأس مال كبير ، وهل كل رأس المال يحسب بالاصول المالية وراس المال البشرى ، ام براس المال الرمزى الذى احيانا يكون علامه تجارية او ما شابه ، او قدرات ومهارات على تفعيل العلم والمعلومة فى الواقع ، البشر يتفاوتون من حيث الكيف ومن حيث مشاركتهم فى التنمية واثرهم فى المجتمع ، هناك فرق وفرق كبير ، فى فيلم واحد من الناس خاطب عزت ابو عوف كريم عبد العزيز  قائلا انت فرد واحد اما انا فعدد عمال مصانعى ومؤسساتى هم انا فانا ليس فرد واحد . 
مع التأكيد ان أثر مشكلة البطالة أكبر من حجمها الكمى . المصرين يشكلون 1.3 % من سكان العالم وهم تقريبا ربع سكان العالم العربى الذى يشكل 5% من اجمالى سكان العالم .
عدد العاطلون حول العالم 190 مليون فرد . 
" بلغت نسبة البطالة فى مصر حسب اخر للسكان قام به الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء ،  تعداد 2017 ، 12 % ايا كان ، الرقم يتجاوز 10% ، ليست محسوبه طبعا من عدد السكان بل من قوة العمل ، وهى تقريبا 40 مليون ، اى ان عدد العاطلين اكثر من 4 مليون ." اضف اليهم 60 مليون لا يعملون اصلا اما لانهم اطفال او مسنين او خارج قوة العمل باى شكل وهم عبء اعاله على قوة العمل ، على انه من المهم الاشارة للبطالة المقنعة حيث لا انتاج فعلى ، البطالة الموسمية ، و شبه البطالة : أولئك الذين يعملون فى حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التى لا توفر الحياة اللائقة .
هذا يجعلنا نصل لخلاصة مفادها ان حجم المشكلة فى مصر كبير جدا جدا وخصوصا لما تتسم به كتلة العاطلين فى مصر من خصائص فريدة :
" ما تتسم به كتلة العاطلين فى مصر من سمات خاصة هى :
1 – "أن الشطر الاعظم من كتلة البطالة يتمثل فى بطالة الشباب الذين يدخلون سوق العمل لاول مرة .
2 – أن البطالة فى مصر هى بطالة متعلمة فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجى الجامعات ومدارس ثانوية ، ويلاحظ أن نسبة المتعلمين فى كتلة المتعطلين آخذه فى الازدياد ، وهو ما يعنى اهدار طاقات وموارد استثمارية تم استثمارها فى العملية التعليمية دون ان ينتج عنها عائد ، يتمثل فى تشغيل هذه الطاقة البشرية لتصبح منتجة . فقد كانت تشكل نحو 76 % لمن جملة المتعطلين فى عام 1986 ل اما فى عام 2001 فانه وفقا للبيانات المستخدمة من بيانات اللجنة العليا للتشغيل ، فان العدد الاجمالى للمتعطلين بلغ 3 و438 مليون عاطل منهم نحو 3 ملايين متعلم مما يعنى ان المتعلمين يشكلون نحو 87و3 من عشرة من عدد المتعطلين .

4 – ارتفاع نسبة البطالة بين النساء .
5 – اتجاه معدلات البطالة للارتفاع فى الحضر بعد أن كانت فى فترات سابقة ترتفع بنسبة اكبر فى الريف ، حيث تشير بيانات تقرير التنمية البشرية 1995 الى ان معدلات البطالة فى الحضر كانت 12 ونصف فى المئة مقابل تسعة واثنين من عشرة فى الريف ، يمكن ايجاد تفسير لهذه الزيادة فى كون الجزء الاكبر من البطالة هى بطالة متعلمة ، وهى عادة موجودة بنسبة اكبر فى الحضر الى جانب قدرة قطاع الزراعة وخاصة الزراعة العائلية على استيعاب عمالة اضافية حتى وان كانت زائدة عن حاجة العمل مما يقلل من نسبة البطالة الظاهرة فى الريف مقابل "
هذا يجعلنا نصل لخلاصة مفادها ان لدينا بطالة بكر لم تدخل سوق وانها حضرية وانها متعلمة وكلما زاد التعليم زاد حجم مشكلة التعرض للبطالة .

Comments

Popular posts from this blog

الحالة السابعة 7 – مسوق الكترونى

الحالة الثامنة 8 – بائع كتب قديمة

الحالة العاشرة : 10 – مدرب ربورتكس