" الرؤية الفلسفية الميدانية " منهج جديد فى العلوم الاجتماعية


" الرؤية الفلسفية الميدانية "
منهج جديد فى العلوم الاجتماعية
بقلم : احمد حمدى حسن حافظ 
(1)
الفلسفة ، و العلم ، والفن : تلك ثلاث من ميادين النشاط الانسانى الجبار الذى يمتد طولا وعرضا فى التاريخ الانسانى ، والفلسفة ليست علم خالص ، وهى بالطبيعة ليست فن خالص ، ولكنها نشاط انسانى متميز له حضوره الثقافى يسعى للوعى الكلى الشامل بالظاهرة موضوع الدراسة ، بعيدا عن الجزئيات المتشظية ، والرؤية التخصصية المحدودة ، انه يبحث فى الماورائيات ، فى العلل البعيدة للاشياء بعيدا عن الجزء ، الى رحاب ارض كلية شاملة وتصور كلى ، ولذلك فان الفلسفة تقدم رؤى وتصورات كلية وشاملة فى عصر انتقلنا فيه من علوم التخصص الى العلوم البينية ثم الى الفلسفة .
(2)
" البحث العلمى من مجموعة من المصادرات المنهجية الى أداء ابداعى حر "
اتباع المنهج العلمي المنطوي على تحديد المفاهيم بوضوح , وتحديد المشكلة بدقة , واختيار المنهج الملائم لموضوع البحث , والوصول لنتائج تقترب من الصدق. اصبح من رابع المستحيلات على الباحث في عصرنا هذا ، وذلك ما ينبئنا به علم مناهج البحث المعاصر ، ليتحول البحث العلمي إلى نوع من الأداء الإبداعي الحر الذي لا يعرف المصادرات المنهجية .
- المصادرات المنهجية كما يعرضها الدكتور صلاح قنصوة في كتابة فلسفة العلم مكتبة الأسرة 2002 هي
1 – الحتمية  2 – الموضوعية 3 – اليقين
ونستطيع أن نقول ببساطة أن هذه المصادرات الثلاث قد أصبحت ضمن ماضي الفكر الإنساني ، فلا وجود لليقين ولا وجود للموضوعية ولا وجود للحتمية ، ومناقشة هذه المصادرات أمر طويل يفرد له دراسات خاصة و لا نستطيع الحديث عنه هنا. و للاستزادة يمكن الرجوع إلى مؤلفات الأستاذ الدكتور  محمود آمين العالم في فلسفة العلوم مثل كتابه عن فلسفة الفوضى ، ويمكن الرجوع لكتب الأستاذ الدكتور صلاح قنصوه فلسفة العلم أو فلسفة العلوم الاجتماعية ، ويمكن أيضا الرجوع إلى كتب الاستاذه الدكتورة يمنى طريف الخولى مثل الاغتراب والحرية العلم من الحتمية إلى اللاحتمية ، او كتاب فلسفة العلم في القرن العشرين أو فلسفة كارل بوبر منطق العلم منهج العلم أو مشكلات المنهج في العلوم الإنسانية أو إلى كتاب أسطورة الإطار لكارل بوبر ترجمتها أما في اللغة الانجليزية يمكن الرجوع لكل مؤلفات كارل بوبر و توماس كون ولاكتوس و غيرهم من فلاسفة العلم  
(3)
أما جدية العرض  , والتسلسل المنطقي للأفكار , والترابط بين أجزاء العرض  في وحدة ووضوح وسلامه لغوية . يعد بالأمر الغير مستحب في إطار الثقافة المعاصرة الأفقية التي تدرك أن العروض الراسية للأفكار تنطوي على قدر كبير من الغرور والتشكيل الكاذب. 
 ثمة عدة أساليب للعرض العلمي نستطيع اختزالهما إلى أسلوبين هامين أسلوب العرض الراسي الكلاسيكي المعتمد على وجود تسلسل للأفكار وترابط ووحدة  عضوية أي  نسق متصاعد يبدأ بمقدمات ويصل إلى نتائج و الأسلوب الآخر هو العرض الأفقي وهو نوع من العروض المقسمة إلى أجزاء قد لا تجمعها وحدة بنائية ولكن أمر إيجاد الوحدة والترابط والتسلسل المنطقي يعود للمتلقي أولا و أخيرا للاستزادة ممكن الرجوع لكتاب ميشيل فوكو اركيولوجيا المعرفة او كتاب ليوتار وضعية ما بعد الحداثة
(4)
والمحتوى الكبير من المادة العلمية الذي يدل على إحاطة الباحث بموضوع بحثه , فضلا عن إطلاعه على  الجهد السابق عليه , وتحليه بالأمانة العلمية . يهتز بشدة في عالم المعلوماتية والتدفقية الشديدة للمادة العلمية التي تصيب أي باحث بما يعرف بظاهرة Over Informations  (3) التي تجعل من الإنسان المعاصر عقلا خاويا يحتاج إلى ذلك التطهر من المادة العلمية كي يبدع منطلقا من النقطة الصفرية .
 (3) معلومات كثيرة متداخلة    over informations  
من مصطلحات تكنولوجيا المعلومات وتعنى التدفق الكثيف للمعلومات والذي يحول ضد القدرة على الإدراك الكامل للموضوع نتيجة حالة التداخل والتشتيت
يرهص بها د / زكى نجيب محمود عندما قال مشكلة إنسان العصر هي أن العلم اصبح فوق حدود قدرته الفردية للاستزادة يمكن الرجوع لكتاب د نبيل على الثقافة العربية و عصر المعلومات
(5)
وفوق كل ذلك على الباحث أن يكون موضوعي  متميزا بوجود شخصيه واضحة ومستقلة تعبر عن موقف خاص به يتسم بالنضوج والموضوعية   (4 ) .
(4) يبدوا أن المصادرة المنهجية المعروفة بالموضوعية تحتاج منا أن نتحدث عنها قليلا
دائما نفهم الموضوعية بردها لمقابلها وهو الذاتية  وكما نعلم فان هناك نوعان من الذاتية النوع الأول هو الذاتية ذو الصفة الموضوعية وتعنى ببساطة ان الذات عندما تدرس الموضوع فإنها تتفاعل معه وتتمثله بداخلها مع افتراض نزاهة الذات في البحث عن الحقيقية وصدقها مع نفسها ومحاولة تهميش وتقويض أهوائها الداخلية وهنا نرى الباحث يعرض آرائه بنضوج  أما النوع الآخر فهو الذاتية الشخصية بمعنى ان يحترم الباحث شخصيته وذاتيته إلى ابعد الحدود  ويشير أليها ويحدثنا عن أحاسيسه وهواجسه وخبرته وهذا لا يكون مطلوب في البحث الأكاديمي بقدر ما ينطوي على أسلوب مثير في العرض العلمي ولذلك ينصح به في حالة العروض الغير أكاديميه للفكر واظننني في بعض الأحيان تبنيت هذا الموقف.
بعد هذا العرض الجدلي السريع لشروط تقيم البحث العلمي (5)
  (5)  ارجع الفضل لقدرتي على صياغة هذه الجدلية لأستاذتي الدكتورة يمنى طريف الخولى أستاذة علم مناهج البحث وفلسفة العلوم في جامعة القاهرة ورائدة من رواد فلسفة المناهج في الشرق الأوسط.
(6)
ربما كانت أحد أهم  أدوار الفلسفة هي تحليل  المفاهيم والسؤال (  ليس بالطريقة الإجرائية المنزهة عن الوعي )   والدهشة الدافعة للتساؤل مما تعودنا عليه ولم يعد مثارا للدهشة  هكذا كان سقراط يقف في قلب السوق يسأل المارة ما الفضيلة ؟ ما الأخلاق ؟ ما الجمال ؟ ما الحق ؟ مما أزعج سكان أثينا فحكموا عليه بالإعدام لتبدأ أثينا في الخروج من عصرها   الذهبي ! 
لذلك أدهشني أن اعلم أن إجراء ذلك البحث حكرا على المتخصصين في علم الاجتماع  نعم لهم دورا عظيم في دراسة هذه الموضوعات ولكنها تظل دراسات لا تخترق وعى الأفراد بها فتصبح كلمات في الهواء لا أريدها حربا على قسم الاجتماع ولا على علم الاجتماع
فالعلم كله طبيعي أو أنساني هو الابن الضال للفلسفة نعم الضال لانه ومنذ نشاء ته وخاصة العلوم الإنسانية تتحدى الفلسفة و أخذت  تهجم عليها واقصد علم الاجتماع بالذات فنجد ماركس يغادر الفلسفة ويحدثنا على أن الفلاسفة يعرفون العالم فقط لكنهم لا يغيروه وكذلك الطرف الثاني فى تشكيل ما يغرف بعلم الاجتماع  اوجست كونت واميل دوركايم  فنجد كونت يرى  أن الإنسانية مرت بثلاث عصور فكرية  اللاهوت والخرافات ثم الميتافيزيقا التي هي الفلسفة  إلى العصر الأخير الذي يمثله كونت العصر الوضعي العلمي
 اخذ الاجتماعيون يتعلقون اكثر واكثر بحبل العلمية التي تحاكى مناهج العلم الطبيعي إلى أن انقطع حبل العلمية مع مشارف الثورة العلمية الثانية ثورة الكم و النسبوية و اللااقليدية والديناميكا اللاخطية و علوم الفوضى وسقطت جميع المصادرات المنهجية أولها اليقين العلمي ومدى صدق العلم  وثانيها  الحتمية الشاملة المعتمدة على السببية واطراد الطبيعة و أخيرا سقطت الموضوعية على يد الفيزياء المعاصرة وعلى الأخص سيزلارد  من هنا ظهرت مشاكل عميقة في مناهج البحوث الاجتماعية وعلى الأخص المعتمدة على المنهج الامبريقى والمنهج الإحصائي فأصبحت الدلالات الإحصائية تتساوى مع الخرافات التي هاجمها كونت
تلك الفترة الآن يسودها سلام حذر بين علم الاجتماع والفلسفة ومحاولة لفتح الأبواب والدمج الخفي كما نجد عند هابرماس فيلسوف فرانكفورت المعاصر  ربما يستفيد الفلاسفة من عودة الابن الضال بخبرته التي كونها أثناء هروبه وربما يعيد علم الاجتماع ثورته علينا الأمر محفوف بالمخاطر هدوء حذر يسود العلاقة
و للفلسفة  تجربة سابقة في علاقة الفلسفة بالفن و الأدب فمع بداية عصر التنوير وتبنى الفلسفة للعقلانية رفض الرومانسيون ذلك و أعلنوا الفن بديلا للفلسفة   فرد الفلاسفة بان همشوا دور الفن و حصروه في قيمة واحدة هي الجمال واللعب والإغراق في الممارسة  لعزله عن أهدافه المعرفية والقيمية و عندما تصاعد الصراع أعلن هيجل الفلسفة كمحتوية للفن و مرحلة فكرية اكثر تطورا منه لكن مع تخلى الفلسفة عن العقلانية دعا نيتشه بان الفلسفة باعث على الفن حتى احتوى الفن الفلسفة و أصبحت الفلسفة تعرف بأنها فن وان الفن و الفلسفة عموما دورهم الأساسي هو ردم الفجوة بين النظر والعمل بين المعرفة والممارسة بين الثقافة والتنمية
(7)
السؤال الآن أي منهج ساتبعة في الإجابة على تلك الأسئلة  المتبلورة عن البحث ولن نجد منهجا إلا إذا وجدنا النظرية المرشدة ولن نعثر على النظرية المرشدة إلا إذا حددنا التخصص الأكاديمي
لاشك أن علم الاجتماع من حيث موضوعة يتقاطع مباشرة مع تلك الموضوعات
وليكن السؤال مع أي علم اجتماع أتعامل أي مع أي نظرية فيه استخدمها كمرشد
وارى أن نظريات علم الاجتماع من الممكن أن تنتظم في ثلاث مجموعات
1 - نظريات تمثل العقل الوضعي
اوجست كونت , اميل دوركايم , ماكس فيبر , واخيرا البنائية الوظيفية
2 - نظريات تمثل علم الاجتماع الاقتصادى او السيسيو اكنومك
 Soco- Ecnomic
ماركس ومن بعده
3 - نظريات رافضة للتيارين      ( اتجاه ما بعد الحداثة ) 
- الخيال والتأمل السيسولوجى عند كلا من  رايت ميلز و الفن جولدنر
-  مدرسة فرانكفوت
و لا داعي لان أخفى عليكم أنني أؤمن حتى النخاع  بفلسفات ما بعد الحداثة وارى عصرنا هذا هو عصر ما بعد الحداثة  و أفسر أي ظاهرة أو موقف من خلال ما بعد الحداثة ما بعد الحداثة هي الخلفية الثقافية العامة للعصر وهى مرجعيتى الوحيدة في أي موقف
أذن لابد أن اختارها كنظرية مرشده وموجهة للبحث 
(8)
          " عمق الماضي والحاضر والمستقبل .. خلق ملامح عملاق     ( الوجود ) ..  لا يستطيع عقل فتاة صغيرة جميلة أن يدركه .. مما بجعلنى أؤمن بوجود امرأة  بديعة .. مفارقة لهذا العالم  ..  إنها صوفي !! ..
أمنا التي في السماء .. أم الفلاسفة و راعية  الرحلة الفلسفية.
تتعرى صوفي قطعة قطعة بهدوء ممل ولكنه مثير للمؤمنين بها وفى اللحظة التي تعرى فيها صوفي قدس الأقداس يتلاشى العالم بداخله.  " 
أن الهوس بصوفي والتضحية من اجلها بكل رخيص وغالى يصنع الرحلة الفلسفية التي هي غاية كل فيلسوف . 
تعنى كلمة صوفي في كل لغات العالم الحكمة  كما توجد متصرفة في الاسم اللاتيني للنوع الإنساني  هومو سابينس Homo sapeinus وهى ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا
والفلسفة ليس اكثر من حب وعشق الحكمة
والغريب في الأمر أن الحكمة مؤنثة  في كل اللغات فهي تحمل كل الخصائص الأنثوية ..  كما أنها لا تتكشف أمام الإنسان إلا تدريجيا و بطريقة  شبه جنسية ولا عجب في اعتبار الفلسفة نوعا من الجنس كما في العصر اليوناني أو بديلا عن الجنس و إعلاء له كما اخبرنا الفلاسفة العرب
أن الفلسفة كعلاقة حب وهوس بأنثي تعيد اكتشاف ذاتها مع الموجة الثالثة من الحركة النسوية وبداية الإنتاج الحقيقي  للفلسفة النسوية بنظريتها الكونية عن الجوهر الجديد لنرى مفهوم الأنثوية  يتقاطع مع التنمية في عبقرية خلابة لنحلم بعالم اكثر إنسانية أو اكثر أنثوية
ما أحوجنا إلى إيزيس لتجمع أشلاء الإنسانية الممزقة وتحيها بقوة الحب
" أن النزعة الامبيريقية التجزيئية الإحصائية (الذكورية ) تلك السائدة في العلوم الاجتماعية ( والتي هي الأخت الرضيعة والبنت المطيعة للعقل الوضعي       الجاف )  تعيق خيالنا السوسيولوجى ووعينا بالمجتمع ككل فهي محض تمزيق وتزيف "  ذلك هو الجوهر المعلن لكتاب رايت ميلز  الخيال السوسيولوجى.
ولان الفلسفة أنثي فهي الوعي الكلى الشامل بالظاهرة موضوع الدراسة  أن الفلسفة هي التي تجمع أشلاء المعرفة لتحولها وعى يصب في خبرات الأفراد فيوجه التنمية وتردم تلك الفجوة بين التنمية والثقافة بين النظر والعمل التي هي محض  خرافه تجاوزها العصر  بتقنياته .


Comments

Popular posts from this blog

الحالة السابعة 7 – مسوق الكترونى

الحالة الثامنة 8 – بائع كتب قديمة

الحالة العاشرة : 10 – مدرب ربورتكس